Share

الحرب الإعلامية فى مصر الثورة

July 27, 2013 by   ·   لا يوجد تعليقات

 

 

 

 

بقلم : ياسر عبد العزيز

 

 

شهد العام الأول من حكم الرئيس المصرى محمد مرسى صراعا سياسيا واجتماعيا انعكس فى تناول وسائل الاعلام له، فقد اعربت  مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان نافى بيلاى فى مطلع مايو 2013  عن قلقها العميق إزاء «تراجع الحريات فى مصر لمستويات أدنى مما كانت عليه إبان عهد الرئيس السابق حسنى مبارك». وتحذر من أن «مصر تخاطر بالانجراف بعيداً عن المثل العليا التى ألهمت ثورة يناير»، وتشير إلى أن «هناك تضييقاً على الصحفيين فى عملهم عبر مقاضاتهم فى المحاكم».

 

لا يقتصر الأمر على الأمم المتحدة وحدها، لكن هناك أيضاً تقرير منظمة «مراسلون بلا حدود» عن «صيادى حرية الإعلام»، وهو التقرير الذى يحظى بمكانة واعتبار كبيرين، والذى حوى حقائق صادمة فى نسخته الأخيرة الصادرة فى الشهر نفسه.

 

تقول المنظمة، فى تقريرها، إن جماعة «الإخوان المسلمين» وأنصارها انضمت إلى قائمة «صيادى حرية الإعلام» فى العالم، والتى ضمت هذا العام 39 اسماً جديداً لرؤساء دول وسياسيين.

 

تضم القائمة للمرة الأولى هذا العام، إضافة إلى «إخوان مصر»، كلاً من «جبهة النصرة» فى سوريا، وجماعات «البالوشستية» المسلحة فى باكستان، والمتطرفين الدينيين فى جزر المالديف، والرئيس الصينى تشى جينبينج.

 

ويوضح أمين عام المنظمة كريستوف دولوار دور «صيادى حرية الإعلام» فى قمع الإعلام وترويعه؛ فيقول: «صيادو الحرية هم المسئولون عن بعض أسوأ أعمال الانتقام من وسائل الإعلام وممثليها.. تلك الأعمال تزايدت بشكل كبير، حيث كان عام 2012 أحد أعنف الأعوام فى التاريخ بالنسبة إلى العاملين فى مجال الإعلام».

 

وقد أعلنت المنظمة فى شهر مايو أيضاً تقريرها السنوى الذى يرتب بلدان العالم وفق «مقياس حرية الصحافة»، حيث وضعت مصر فى المرتبة 158 من بين 179 دولة، ووصفت الموقع الذى احتلته مصر فى هذا الصدد بـ «غير المشرف»، وأشارت إلى أن من بين الأسباب التى أدت إلى بلوغ مصر هذا الموقع المتدنى ما جرى من «تعيينات على رأس المؤسسات الإعلامية الحكومية، والاعتداءات الجسدية، والمحاكمات المتكررة التى طالت الصحفيين».

 

يعد تقرير «مراسلون بلا حدود» أحد أهم التقارير التى يستند إليها الرأى العام العالمى فى تقييم حرية الصحافة فى أى بلد من البلدان؛ لذلك يجب أن نعرف أن مصر مثلاً سبق وأن احتلت المرتبة 127 على هذا المقياس، كما أنها كانت فى المرتبة 146 فى عام 2008، كما يجب أن نعرف أيضاً أن ناميبيا، وبوتسوانا، وبوركينا فاسو، وموريتانيا، وموزمبيق، ومدغشقر، وإسرائيل، بل وأفغانستان أيضاً، سبقت مصر فى مجال حرية الصحافة، وفق هذا المقياس، فى العام 2013.

 

فى مطلع شهر مايو 2013، أعلنت منظمة «فريدوم هاوس» بدورها تقريرها السنوى عن حرية الصحافة فى بلدان العالم المختلفة، حيث أكدت أن مصر انتقلت إلى خانة أسوأ تصنيف ضمن دول العالم فى مجال الإعلام؛ وهو تصنيف «دولة غير حرة»، فى الوقت الذى حققت فيه دولتا تونس وليبيا «مكاسب كبيرة» على الصعيد نفسه، وفق ما أكد التقرير.

 

يفيد تقرير «حرية منتهكة.. انتهاكات حرية الإعلام فى مصر 2012»، الصادر عن «مركز دعم لتقنية المعلومات»، أن عدد الانتهاكات التى وقعت بحق حرية الإعلام خلال العام 2012 وتم رصدها، بلغ 185 انتهاكاً، وأن هذه الانتهاكات شملت الاحتجاز، والتعدى بكل أشكاله، والتهديد، والسب والقذف، والتحرش، والقتل، والتحريض، والمنع من النشر، والتدخل القسرى فى السياسة التحريرية، والإقالة، والتهديد بالغلق، إضافة إلى الاتهامات بـ «إزدراء الأديان»، و«إهانة رئيس الجمهورية»، وغيرها.

 

ويؤكد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان فى مصر جمال عيد، أن عدد البلاغات التى قدمت بحق صحفيين وإعلاميين ومواطنين، على مدى 200 يوم من رئاسة الدكتور محمد مرسي، بتهمة «إهانة رئيس الجمهورية» يزيد على عدد البلاغات المماثلة المقدمة طيلة ثلاثة عقود تحت حكم الرئيس السابق حسنى مبارك.

 

لقد اندحر التحكم الأمنى فى المجال الإعلامى المصرى فى أعقاب اندلاع «ثورة 25 يناير»، وشهد هذا المجال ارتفاعاً واضحاً فى «سقف الممارسة»، كما بات من اليسير إطلاق وسائل إعلام جديدة، واتسع حجم الصناعة اتساعاً غير مسبوق، لكن التقارير السابقة تشير بوضوح إلى تفاقم الانتهاكات بحق وسائل الإعلام والإعلاميين بشكل واسع أيضاً، وهى الانتهاكات التى عكست سخونة الصراع الحاد الذى تشهده مصر غداة إطاحة النظام السابق، والذى كان الإعلام فى القلب منه.

 

ويقتضى الإنصاف القول إنه على الجانب الآخر كانت هناك ممارسات حادة وشديدة الضرر من جانب بعض وسائل الإعلام، التى استفادت من حال تزعزع السيطرة الأمنية على المجال الإعلامي، وتدفق الأموال التى لا تستهدف الجدوى على الصناعة، وراحت تسخر نفسها كأدوات فى الصراع السياسي.

 

تتحمل السلطة الحاكمة فى مصر بعد وصول «الإخوان» إلى الحكم قدراً كبيراً من المسئولية عن الاستقطاب السياسى الحاد الحادث فى البلاد، لكن بعض وسائل الإعلام من الجانبين (الإسلامى والليبرالي) عززت هذا الاستقطاب وأججته عبر ممارسات غير مهنية.

 

رؤية النظام الحاكم للمجال الإعلامى:

 

فى نهاية شهر مارس 2012، زار مرشد جماعة «الإخوان المسلمين» الدكتور محمد بديع إحدى المحافظات، وتحدث إلى جماهير محتشدة فى مؤتمر أقامته الجماعة للترويج لمرشحها فى الانتخابات الرئاسية التى جرت لاحقاً فى شهر مايو من العام نفسه.

 

ومن بين ما قاله المرشد فى هذا المؤتمر إن «بعض وسائل الإعلام مثل سحرة فرعون، الذين جمعهم لسحر أعين الناس… والشيطان الذى أوحى للسحرة هو الذى يوحى للإعلاميين الآن بأن يصوروا للشعب أن (الإخوان) هم بديل (الحزب الوطني)».

 

لم تكن تلك المقولة مجرد «زلة لسان» أو «تقييم شخصي» من قبل رأس جماعة «الإخوان المسلمين» للمجال الإعلامى والإعلاميين المصريين، ولكنها، كما اتضح لاحقاً، كانت «تصوراً عاماً» لدى الجماعة عن مجمل الأداء الإعلامي.

 

فقد توالت الانتقادات الحادة من عدد من أقطاب الجماعة وذراعها السياسية الممثلة فى حزب الحرية والعدالة وأنصارها، ووسائل الإعلام المؤيدة أو التابعة لها لمجمل الأداء الإعلامي، وخصوصاً لبعض العناصر التى دأبت على انتقاد الجماعة وأعضائها وخطها السياسي.

 

ولا شك أن الإعلام المصري، وخصوصاً وسائله المملوكة للدولة، والتى تقدر بنحو 55 إصداراً صحفياً و28 قناة تليفزيونية، وتسع شبكات إذاعية، شكل ما يمكن اعتباره «مجالاً عدائياً» لجماعة «الإخوان المسلمين»، أو على الأقل «مجالاً غير موات» طيلة ثلاثة عقود تحت حكم الرئيس السابق حسنى مبارك، وثلاثة عقود أخرى تحت حكم سلفيه السادات وعبد الناصر، بغض النظر بالطبع عن بعض وسائل الإعلام المحسوبة على الجماعة أو التابعة لأطراف سياسية متحالفة معها.

 

ويبدو أن ذلك الميراث من الاستهداف الإعلامى للجماعة أورثها شعوراً عميقاً بالمرارة تجاه وسائل الإعلام، خصوصاً أن بعض تلك الوسائل ارتكب مخالفات مهنية صارخة، وتجاوزات حادة فى محاولات مسيسة بالطبع لتلطيخ سمعة «الإخوان المسلمين» إبان معركتهم مع نظام مبارك، فى وقت لم تكن الجماعة تمتلك فيه وسائل إعلام كافية لتدافع بها عن نفسها.

 

لم يقتصر الشعور بالمرارة إزاء المجال الإعلامى على الفترات التى كانت فيها جماعة «الإخوان» هدفاً للقصف الإعلامى من الآلة التى كان يوجهها نظام مبارك، ولا بسبب طبيعة الإعلام نفسه كـ «مجال ليبرالي» فى الأساس لا ينسجم مع التوجهات العامة الأكثر محافظة للجماعة، ولكن هذا الشعور امتد لينسحب على الفترة الانتقالية، التى لاحظت خلالها الجماعة أن «الإعلام يواصل الكيد لها»، خصوصاً أنها وجدت نفسها تكتسح الانتخابات البرلمانية، لكنها لا تستطيع السيطرة مثلاً على وسائل الإعلام المملوكة للدولة، كما واجهت أيضاً انتقادات فى عدد من وسائل الإعلام الخاصة التى عكست مصالح بعض رجال الأعمال أو روجت لوجهات نظر تيارات سياسية مناوئة للإسلاميين.

 

ومن خلال مراجعة تصريحات قيادات الجماعة أو حزب الحرية والعدالة تجاه وسائل الإعلام المختلفة، وبتحليل مضمون وسائل الإعلام التابعة للجماعة والحزب والمناصرة لهما بشكل عام، ستظهر مقولة رئيسة واضحة للغاية مفادها أن «الإعلام شكل مجالاً شريراً استهدف الجماعة ولطخ سمعتها». وقد زادت حدة هذا الانطباع لدى الجماعة وأنصارها بعد انتخاب الرئيس الدكتور محمد مرسي، وتعيين رئيس الوزراء الدكتور هشام قنديل، وشعور الجماعة بأن الإعلام يمكن أن «يساهم فى إفشال الرئيس»، وبالتالى تبديد فرصة «الإخوان» فى تكريس سلطتهم وتحقيق مشروعهم.

 

لذلك فقد عمدت «الجماعة» وحلفاؤها إلى وسائل للسيطرة على المجال الإعلامى عبر سن مواد دستورية تحبط طموحات الجماعة الصحفية من خلال الهيمنة على الجمعية التأسيسية، ومن خلال تعيين وزراء ومسئولين وقياديين فى وسائل الإعلام المملوكة للدولة من الموالين للنظام، وشن حملات سياسية وإعلامية ضد المجال الإعلامى ذى الإسناد الليبرالي، واللجوء المتكرر للقضاء من أجل استهداف هذا المجال، عوضاً عن الاستهداف المادى المباشر عبر عمليات الحصار والمداهمة والتنديد المستمر.

 

الصراع على مساحة التأثير الإعلامي:

 

يمكن أن نقسم المجال الإعلامى المصرى الراهن إلى ثلاثة أطر رئيسة؛ أولها إطار وسائل الإعلام النظامية، التى تضم محطات الإذاعة والتليفزيون والصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية التابعة لمؤسسات معروفة الهوية. والإطار الثانى يتكون من وسائل الإعلام غير النظامية؛ أى تلك التى تظهر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مثل «فيس بوك» و«تويتر» و«يوتيوب»، إضافة إلى المدونات، والأقسام التفاعلية فى المواقع الإلكترونية، والقوائم البريدية، وغيرها. أما الإطار الثالث فيمكن تسميته بـ «إعلام المنابر»؛ أى المحتوى الاتصالي، بشقيه الدينى والسياسي، الذى يُبث عبر منابر المساجد فى خطب الجمعة والدروس الدينية.

 

وقد استطاع «الإخوان المسلمون» وحلفاؤهم فى اليمين الدينى الهيمنة تماماً على إطار «إعلام المنابر» بالطبع، وهو الأمر الذى ظهر واضحاً فى تجييش هذا الإطار لمصلحة الخيارات السياسية للجماعة وحلفائها فى الاستحقاقات الانتخابية التى جرت منذ إطاحة مبارك؛ إذ حشدت «المنابر» للتصويت بـ «نعم» على التعديلات الدستورية فى مارس 2011، ثم للتصويت لمرشحى التيارات الإسلامية فى الانتخابات البرلمانية والرئاسية التى حصد الإسلاميون الفوز فيها لاحقاً.

 

ويبدو أن الجماعة قد تنبهت لضرورة امتلاك وسائل إعلام تعبر عن مواقفها وتخوض معاركها وتقارع خصومها وأعداءها، وبالتالى فقد حاولت «إنبات أشجار طيبة فى منبت السوء» أى إطار الإعلام النظامي، الذى شكّل مجالاً معادياً لها، ومن تلك الأشجار بالطبع «قناة مصر 25»، وصحيفة «الحرية والعدالة»، إضافة إلى بعض وسائل الإعلام النظامية الأخرى التى تعود ملكيتها إلى أعضاء فى الجماعة أو حلفاء لها.

 

أما المواقع الإلكترونية التابعة للجماعة أو المناصرة لها، فقد تكاثرت كالفطر فى الفترة التى تلت الثورة؛ واتخذت طابعاً محلياً واضحاً، حيث أمكن رصد صدور عدد من المواقع التى تعود للجماعة فى محافظات مختلفة.

 

ولتكرس الجماعة تمركزها فى الإطار الثالث (الإعلام غير النظامي) عبر الإنترنت؛ فقد استخدمت ما سماه باحثون ونقاد عديدون «اللجان الإلكترونية»، وهى فرق من مستخدمى الإنترنت يقال إنها تنخرط فى أنشطة منظمة تستهدف تأطير النقاش على المواقع الإلكترونية المختلفة ليصب فى مصلحة الجماعة، ويهاجم أعداءها، ويدحض حججهم.

 

وعبر تلك السياسة المنسقة، يبدو أن الجماعة نجحت فى هدفها الأول حيال ما ترى أنه «المجال الإعلامى الشرير الذى يستهدفها»؛ إذ عززت هيمنتها على «إعلام المنابر» فيما تمركزت جيداً فى «الإعلام غير النظامي»، وحسنت تمركزها فى «الإعلام النظامي» عبر تدشين المنصات التابعة والموالية لها.

 

لكن يبدو أن امتلاك الجماعة للمنصات الإعلامية التى تمكنها من التمركز فى المجال الإعلامى بشكل يمنحها القدرة على المساهمة فى صياغة الرأى العام، ووضع أولويات تخدم وجهة نظرها فى إطار القضايا الذى يطرحه على الجمهور، لم يكن كافياً لتحقيق رؤية الجماعة الإعلامية، وهو الأمر الذى استلزم حزمة من الإجراءات التقييدية حيال المجال الإعلامي.

 

آليات السيطرة:

 

يمكن رصد حزمة من القرارات والإجراءات والممارسات التى صدرت عن جماعة «الإخوان المسلمين» وأذرعها السياسية والإعلامية والميدانية التى تعزز محاولتها «تطويع الأداء الإعلامى لمصلحتها» فى أعقاب تنصيب رئيس الجمهورية الدكتور محمد مرسي، وتتضمن تلك الحزمة ما يلي:

 

• استغلال بعض الأخطاء والانفلاتات الصارخة لعدد من الإعلاميين والصحفيين فى إشاعة مناخ من السخط على الإعلام والإعلاميين، وإقناع المجال العام بأن «الإعلام هو سبب الخراب وأس البلاء»، وبالتالى ضمان تهيئة الرأى العام لتقبل أى إجراءات تقييدية أو قمعية بحق حرية الإعلام والصحافة.

 

• الترويع باستخدام الأدوات القضائية، عبر رفع قضايا من «الجماعة» و«الرئاسة» ضد صحفيين وإعلاميين.

 

• إسراع مجلس الشورى فى استخدام ما يقول إنه حقه القانونى فى تعيين رؤساء تحرير «الصحف القومية». ومن المؤكد أن من يعين القيادات ويمول الوسائل يضمن التحكم فى أدائها تماماً، وقد كان أجدر بالمجلس تبنى إحدى أفكار تحرير «الصحف القومية» وليس محاولة السيطرة عليها لاستخدامها كما كان يفعل «الحزب الوطني».

 

• تعيين وزير إعلام ينتمى إلى جماعة «الإخوان».

 

• إجازة الدستور الذى ينطوى على مواد لا تلبى طموحات الجماعة الصحفية والإعلامية فيما يتعلق بحرية الإعلام واستقلاليته.

 

• تعيين وزير استثمار ينتمى إلى جماعة «الإخوان» ليكون مسئولاً عن التعاطى مع الشركات التى تصدر عنها قنوات فضائية.

 

• استمرار مسلسل الاعتداءات المادية والمعنوية من «الجماعة» وأنصارها على أعضاء فى الجسم الإعلامي.

 

• استمرار الرئيس نفسه فى الغمز من قناة الإعلام والإعلاميين، وتوجيه التهديدات المبطنة لهم، كما حدث فى خطابه أمام مؤتمر الجمعيات الأهلية نهاية شهر مايو 2013.

 

الجسم الإعلامى يقاوم:

 

صدرت فى يوم 9 أغسطس 2012، وفى ذروة الإجراءات المتتالية التى استهدفت تطويع الإعلام، صحف مصرية عدة تحوى مساحات بيضاء بدلاً من أعمدة كتاب قرروا الامتناع عن الكتابة احتجاجاً على ما وصفوه بـ «محاولات لأخونة الصحافة والإعلام».

 

كما قررت «لجنة الدفاع عن استقلال الصحافة» تشكيل «لجنة وطنية دائمة للدفاع عن حق الشعب المصرى فى الحرية والتعبير»، وعقدت اجتماعين متتالين، وقررت مواصلة اتخاذ إجراءات للاحتجاج على محاولات الهيمنة على الإعلام؛ ومن بينها «تسويد الشاشات» لأوقات معينة، كما قررت الدعوة إلى عقد «مؤتمر وطنى عام» يهدف إلى إشراك المواطنين، والقوى السياسية والمدنية، والمجتمع المدنى فى الدفاع عن حقوقهم فى «إعلام حر لا يخضع لهيمنة أو تقييد».

 

وكان مبدعون وفنانون وإعلاميون مصريون قد أطلقوا ما سموه «جبهة الإبداع المصري» فى شهر يناير 2012، لتوحيد صفوفهم فى مجال الدفاع عن حرية الإبداع والفكر فى مصر، ونظموا مسيرة فى يوم 23 من الشهر نفسه من دار الأوبرا إلى مبنى مجلس الشعب قبل حله، مطالبين بـ «صون حرية الإبداع فى مصر وعدم المساس بها».

 

ويواصل العاملون فى اتحاد الإذاعة والتليفزيون باستمرار تنظيم وقفات احتجاجية ضد ما يعتبرونه «أخونة الإعلام»، كما تواصل نقابة الصحفيين و«الإعلاميين تحت التأسيس» اتخاذ مواقف مناهضة لـ «الانتهاكات ضد حرية الصحافة والإعلام».

 

ويبرز عدد من وسائل الإعلام ذات التوجه الليبرالى فى معارضة تيارات «الإسلام السياسي»، والنظام، وجماعة «الإخوان»، وهى المعارضة التى تتخذ شكلاً حاداً فى بعض الأحيان، خصوصاً عندما تنطوى على ممارسات غير معيارية، ولا تتسق مع القواعد المهنية المرعية.

 

ويمكن القول إن بعض أنماط التمويل غير معلومة المصدر دخلت صناعة الإعلام بقوة فى السنتين الأخيرتين، وأن بعض تلك الأموال تم توجيهه لوسائل الإعلام الموالية للنظام وذات الإسناد الديني، إلا أن الجزء الأكبر منها اتجه إلى وسائل إعلام ذات إسناد ليبرالى يتخذ مواقف معارضة وحادة ضد النظام، وهى أنماط تمويل انعكست إيجابيا فى اتساع حجم الصناعة وزيادة جودتها التقنية، إلا أنها فاقمت مشاكلها المهنية وعززت تراجع القيم فيها، وزادت من حدة الاستقطاب السياسي.

 

رؤية لإصلاح الخطاب الإعلامى:

 

يجب أن يتم التوافق على رؤية محددة للتعاطى مع المجال الإعلامى المصرى لتفكيك حالة الصراع الراهنة؛ وهى الرؤية التى ينبغى أن تقوم على أن الإعلام فى مصر، بكافة أشكاله ووسائله، حر، ومتعدد، ومتنوع، ولا يخضع لهيمنة أى سلطة، ويستفيد من بيئة دستورية وتشريعية منفتحة ومنسجمة مع استحقاقات ثورة يناير، ويمتلك وسائل لمحاربة الاحتكار والتركز الضار للملكية وحماية حقوق الجمهور،  وأن تبقى وسائل الإعلام المملوكة للدولة بمعزل عن سيطرة الحكومة وغيرها من السلطات، وتقدم خدماتها للجمهور على أسس مهنية واقتصادية وإدارية رشيدة، وأن يكون الصحفيون والإعلاميون المصريون قادرين على تطوير أطر للتنظيم الذاتي، بشكل يحقق التوازن بين الحريات واعتبارات الصناعة وحقوق الأطراف المختلفة.

 

لقد باتت إعادة بناء النظام الإعلامى المصرى ضرورة ملحة للمساهمة فى بناء الدولة الديمقراطية الجديدة، والانسجام مع مطالب ثورة يناير 2011، وتحقيق آمال الجماعة الإعلامية والصحفية المصرية الرامية إلى التمتع بإطار حريات واسع، وتحقيق تطور مهنى يعكس مسؤولية تجاه الجمهور.

 

إن إعادة بناء النظام الإعلامى المصرى عملية مركبة تستلزم تضافر جهود السياسيين والإعلاميين والمجتمع المدني، كما تستلزم حرصاً من الجمهور ومتابعة دقيقة لإدراك الأهداف الإعلامية التى تتعلق مباشرة بالمصالح الوطنية.

 

ستبدأ تلك العملية بإصلاح الخلل الذى نشأ عن إقرار الدستور الجديد، والذى وضع قيوداً على الحريات الصحفية والإعلامية، ولم يعمل على تحرير وسائل الإعلام المملوكة للدولة بشكل فعلي.

 

كما يجب أيضاً العمل على إصدار قوانين لإنشاء عدد من الهيئات المقترحة للإشراف على المجال الإعلام؛ مثل المجلس الوطنى للإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة والإعلام، بشكل يعكس الاستقلالية والمهنية ويقاوم الاستتباع السياسي، كما يجب تطوير إطار التنظيم الذاتى بشكل عام، وإقامة ورشة وطنية كبيرة للتدريب والتأهيل بشكل يرفع الأداء المهني، ويحد من أنماط الأداء المسيئة.

 

 

المصدر: مجلة الديمقراطية

 

 

التعليقات (0)




بحث