Share

نقابة الصحفيين .. متى تلحق بقطار الثورة السريع ؟!

June 18, 2011 by   ·   لا يوجد تعليقات

ـ نشرت بجريدة القاهرة عدد 31 / 5 /2011 ـ

بقلم/ رجائى الميرغنى elmerghani55@hotmail.com

من طبائع الثورات أنها تقدم للشعوب والجماعات والمؤسسات آفاقا مفتوحة وفرصا واعدة للتغيير ، لكنها فى المقابل تفرض عليها التحديات ، وتضعها أمام مفترقات الطرق التى تحتم عليها أن تتحررمن قيود الماضى وأوهامه إن هى أرادت أن تظفر بنصيبها من وعود المستقبل . وقد تكون هذه القيود أوضاعا مادية بالية تكرّست بفعل الأمر الواقع ، وقد يكون الوهم تراثا ثقافيا أو فكريا جامدا يجثم على العقول ، لكنهما فى ضوء الثورة يتبديان فى هيئة الكراكيب القديمة التى ينبغى التخفف منها عندما نشرع فى الإقامة فى بيت جديد ، ومع ذلك وبامتداد التاريخ ، كان هناك دائما من يتشبثون بالأثاث العتيق ، ومن يستسلمون لسحر العادة ويتهيبون لقاء الجديد .

والمؤكد أن نجاح ثورة الخامس والعشرين من يناير ، الذى فاق توقعات صانعيها والمحتشدين من حولها ، قد وضع وطنا بأسره فى مواجهة التحديات ، وفرض على قوى الثورة مسئولية حمايتها وتعزيز فاعليتها على أرض الواقع ، وكان ذلك ، ولايزال ، واجبها الأساس فى مواجهة القوى والمؤسسات التى انبرت للدفاع عن مصالحها الضيقة وملكوتها الغارب ، أو تلك التى تفرغت للصيد فى ماء الثورة المتلاطم . غير أن الملفت هو بقاء بعض القوى والمؤسسات والنخب أسيرة أزماتها الذاتية وعجزها عن المبادرة والتحرك فى الإتجاه الصحيح ، حتى غدت تراوح بين احتمالين هما البقاء العاجز أوالخروج من المشهد ، وقد يكون هذا المصير أو ذاك مستحقا أو جديرا بكيانات اغتصبت وجودها فى الماضى ، أو أفرغت كل مالديها فيه ، غير أن بعضها الآخر يملك أن يستنفر طاقة كامنة وذاكرة حافلة برصيد الإنجاز لتعينه على شحذ الهمة واستئناف المسير ، على الرغم من كثافة الغيوم التى يتعين عليه أن يجتازها بالبصيرة قبل البصر ، وبالإرادة قبل الأمنيات .

ربما كانت هذه المقدمة ضرورية لبدء حديث مستفيض عن موقع مؤسسة نقابية عريقة كنقابة الصحفيين من حركة الأحداث التى يمور بها الواقع ، وعن حدود استجابتها لما هو متوقع منها وطنيا ومهنيا ونقابيا فى قلب هذه الأحداث . وفى هذا السياق لا يجد المتابع والمهتم بمستقبل هذه المؤسسة الوطنية مفرا من الوقوف أمام بضعة مفارقات درامية لافتة ، أولها أن هذه النقابة التى تمرّست عبر تاريخها على خوض معارك الحريات العامة هى الآن فى وضع الغياب التام عن المعركة الفاصلة لحرية الوطن ، وأن هذا الصرح الذى علّقت عليه القوى الوطنية الآمال الكبار فى ظروف القهر والإستبداد السياسى فيما قبل 25 يناير ، لا يجد من يعوّل عليه بعد هذا التاريخ ، بمن فى ذلك أعضاؤه المنتسبون إليه . ومن عجب أن يفاخر آخر تقرير صدر عن هذه النقابة ( مارس 2011 ) ببزوغ فجر الثورة وانطلاقها من سلالم النقابة ، وأن يزهو أحد أعضاء مجلسها بامتلاء القاعات المؤجرة داخل مبنى النقابة بالقوى والتنظيمات السياسية والإحتجاجية ، وهو مايدفع للتساؤل عن قيمة أى مبنى فى غياب المعنى الذى يدل عليه ويكشف عن وجود أصحابه .

المفارقة الدرامية الثانية هى أن يتزامن حدث الثورة تقريبا مع متغير قانونى هام وفاصل فى مصير ومستقبل النقابات المهنية جميعا ، وذلك بصدور حكم المحكمة الدستورية العليا ببطلان قانون النقابات المهنية الموحد رقم 100 لسنة 1993 وتعديلاته ، وهو القانون الذى شدد قبضة النظام السابق على النقابات ، وتسبب فى تجميد الإنتخابات فى معظمها وفرض الحراسة القضائية على بعضها ، ومع أن نقابة الصحفيين تضررت كثيرا من هذا القانون وسعت مع نقابات وهيئات عديدة الى تغييره ، إلا أن مجلسها لم يعر هذا التطور مايستحقه من احتفاء واهتمام ، وعلى الأخص فيما يتعلق بأثره المباشر المتمثل فى حق كل نقابة فى إجراء انتخاباتها وفق قانونها الخاص دون وصاية من أحد . بل إن الأمر تعدى ذلك الى تجاهل هذا المتغير عندما اتجهت إرادة قطاع واسع من أعضاء النقابة الى دعوة جمعيتها العمومية غير العادية للإنعقاد خلال شهر فبراير الماضى ، وكان الهدف المباشر من هذه الدعوة هو دعم مطالب الصحفيين فى المؤسسات الصحفية القومية بتنحية القيادات الضالعة فى خدمة رموز النظام البائد ومعاداة الثورة ، فضلا عن تهيئة الأجواء لإجراء انتخابات مبكرة للنقابة بعد تهالك قيادتها وانكشاف عجزها عن مواكبة مايجرى على الساحة ، لكن المجلس فاجأ الصحفيين بتحركات محمومة ومكشوفة للتعتيم على دعوة الجمعية بهدف عدم اكتمال النصاب اللازم لإنعقادها ، وهو ماتحقق له بالفعل ، لكن الجميع فهم من هذه الممارسات أن أغلبية أعضاء المجلس لا ترغب فى خوض إنتخابات تتزامن مع زخم الثورة وانعكاساتها القوية على المزاج العام للصحفيين ، وأنها تفضل التشبث بمواقعها الى نهاية الدورة فى شهر ديسمبر القادم ، وانتهى الأمر الى استقالة خمسة من أعضاء المجلس الاثنى عشر بعد أن فشلت محاولاتهم المتأخرة لإقناع زملائهم بالإمتثال لرغبة وإرادة الأغلبية الطامحة للتغيير .

ولا تكتمل ملامح هذه المفارقة إلا بمتابعة ماجرى ويجرى فى ساحة النقابات المهنية الأخرى ، ونستطيع أن نقرر أن أغلبية هذه النقابات قد استثمرت الحالة الثورية وإلغاء القانون 100 لتنفض عن نفسها غبار السنين العجاف ، وأن عددا منها أجرى انتخاباته المؤجلة أو المبكرة ، ويوشك البعض الآخر على إجرائها وفق القوانين الخاصة بكل نقابة ، بل إن بعض هذه النقابات قطع أشواطا بعيدة على صعيد العمل الجماعى لاسترداد حقوق أعضائها المغصوبة ، بينما ظل مجاس السبعة فى نقابة الصحفيين قابعا فى انتظار فتوى من جهات الإختصاص وعدم الإختصاص ، علها تسمح له بالبقاء الآمن لأطول مدى زمنى ممكن .

أما المفارقة الثالثة فهى قرار مجلس السبعة بتحديد عدو استراتيجى للمرحلة ، والدخول فى معركة دعائية وقضائية شرسة فى مواجهته ، وقد ينصرف الذهن للوهلة الأولى الى اختيار النقابة واحدة أو أكثر من قائمة المعارك العديدة التى تخوضها القوى والمؤسسات الوطنية ضد فلول النظام البائد وأعوانه من الفاسدين والبلطجية والمحرضين على الفتنة الطائفية ، فإذا لم تكن هذه المعركة فى الميدان الوطنى فمن الممكن أن تكون معركة مهنية وثيقة الصلة بدور النقابة ، كالإسهام فى تطوير أوضاع وعلاقات العمل المتردية فى مختلف المؤسسات الصحفية ، أو التصدى للتراجع المخيف فى التزام الصحافة بالأصول المهنية والأخلاقية فيما بعد الثورة ، أو إعداد مشروعات قوانين بديلة لترسانة التشريعات المقيدة لحرية التعبير والصحافة وتدفق المعلومات ، وهناك أيضا ملفات نقابية موضوعة فى ثلاجة هذا المجلس منذ سنوات ، كلائحة أجور الصحفيين ، وتنمية موارد النقابة واستخلاص حقوقها المغصوبة فى نسبة الإعلانات والدمغة الصحفية ، ويستطيع المجلس أن يخوض من أجلها جولات من المعارك كما تفعل سائر النقابات . غير أن المجلس خالف كل هذه التوقعات واختار أن يشن حربا ضروس من أجل تصفية ومعاقبة احدى النقابتين اللتين أعلنتا عن تأسيسهما بموازاة نقابة الصحفيين مؤخرا ، وقامتا بفتح باب عضويتهما لطابور الصحفيين الذين لم تعترف بهم النقابة ، ومن بينهم مايزيد على 650 صحفيا يعملون فى الصحافة الاليكترونية طبقا لبيان تأسيسها .

المفارقة هنا لا تتعلق بمجرد الخطأ فى تقدير أولوية وموضوعية المعارك التى يتوجب على نقابة بوزن نقابة الصحفيين أن تخوضها ، ولكنها تكمن بالأساس فى غياب القراءة الواعية للواقع وفهم جوهر المتغيرات التى تعمل فى جنباته ، فقبل اثنى عشر عاما تصدى مجلس النقابة لمشروع هزلى مشبوه لإقامة نقابة موازية لنقابة الصحفيين بزعامة شخص يدعى حسين المطعنى ، ولم تكن هذه النقابة المطعنية سوى محاولة بائسة لتحويل لجنة مهنية تابعة للنقابة العامة للعاملين بالصحافة والطباعة والنشر ، وهى أحدى النقابات العمالية ، الى سبوبة تتيح لها الحصول على أراضى اسكان والمتاجرة بها ، وتوزيع كارنيهات على المنضمين إليها تسمح بركوب المواصلات العامة مجانا ، وقد انضم اليها عدد لا يتجاوز أصابع اليدين من الصحفيين بتشجيع من أحد رؤساء مجالس إدارات الصحف القومية فى ذلك الوقت ، وكان دافعه الى ذلك هو الكيد لنقيب الصحفيين الذى رشحته الحكومة لهذا المنصب بديلا له فى تلك الفترة . وشتان بين هذه الزوبعة التى انطفأت خلال أسابيع معدودة ، وبين التحولات الهائلة التى لحقت بسوق العمل الصحفى وأشكال الممارسة الصحفية خلال العقدين الأخيرين ، وما أدت اليه عمليا من حرمان مئات ، إن لم يكن آلاف ، من المشتغلين الفعليين بمهنة الصحافة من الحق فى عضوية النقابة ، والسبب فى ذلك لا يعود فى الأغلب الى عدم احترافهم للمهنة أو الى نقص فى الكفاءة ، ولكنه يرجع الى الأوضاع الظالمة فى سوق العمل الصحفى وسياسات التشغيل غير القانونية التى درجت عليها الإدارة الصحفية ، والتى لم توفر لهم فرصة العمل إلا بالعقود المؤقتة أو بالمكافأة أو حتى بالقطعة ، وبعض هذه الفرص لا تتاح إلا بالعمل فى صحف ومجلات دورية لا يعترف بها مجاس النقابة .

لقد ظل هذا الواقع يتشكل تحت سمع وبصر نقابة الصحفيين ، وكان بإمكان النقابة أن تتجاوب مع حق هؤلاء البشر فى الحماية النقابية والإعتبار المهنى بأشكال عديدة ، وأن تسحب البساط من تحت أقدام المشاريع النقابية الموازية والبديلة ، لكن مجالسها المتعاقبة إجمالا سارت فى الإتجاه المعاكس تماما ، فتشددت فى شروط العضوية العاملة الى الحد الأقصى رغم أن هذا التشدد لم يمنع قيد بعض السكرتيرات وموظفى الإدارة والإعلانات فى جداول النقابة ، كما ألغت القيد بجدول المنتسبين بما يتجاوز قانون النقابة نفسه ، وهو القانون الذى طالما تبرمت النقابة من أحكامه التى عفا عليها الزمن دون أن يخطو المجلس خطوة ملموسة فى اتجاه تطويره . ومع ذلك قرر مجلس السبعة خوض معركة قضائية باسم هذا القانون المتخلف ضد من أسماهم منتحلى الصفة وطالب بتوقيع عقوبة الحبس عليهم ، ووصف البلاغ المقدم منه مؤخرا الى النائب العام فى هذا الشأن نقابة الصحفيين المستقلين بأنها مشروع إجرامى ” !

ثمة وجه آخر لهذه المفارقة ، فقد انتهت حكومة عصام شرف ووزير القوى العاملة الشجاع الدكتور أحمد البرعى من وضع مشروع جديد للنقابات العمالية تحت اسم قانون الحريات النقابية ، ويقر هذا المشروع بحق العمال وأصحاب الأعمال ـ دون إذن ـ فى تكوين منظمات يختارونها ، وينص على أنه لايجوز حرمان أحد من حقه فى الإشتراك فى تأسيس النقابة التى يختارها ، كما ينص على حق هذه المنظمات فى وضع دساتيرها ولوائحها الإدارية وانتخاب ممثليها بحرية كاملة ، وقد لقى هذا المشروع ترحيبا واسعا فى أوساط الحركة العمالية والنقابية المصرية ، كما رحبت به دوائر دولية عديدة ، ولم يعترض عليه ، بالبيانات والتقاضى ، سوى الإتحاد العام لنقابات عمال مصر سيىء السمعة .

.. مالم تدركه نقابة الصحفيين من مسلسل الأزمات التى تمر بها فى هذه اللحظة المفعمة بالآمال والمخاطر ، هو أن التهديد الحقيقى لكيانها ومسيرتها التاريخية المعتبرة يكمن فى داخلها بأكبر مما يلوح لها من الخارج ، وأن أصعب ما يمكن أن تواجهه هو تحديات إعادة الروح والايمان برسالتها ودورها الوطنى والمهنى والنقابى الذى يتجاوز بكثير مجرد تسليم الكارنيهات واستلام البدل الشهرى وتدوير الخدمات والندوات بمبنى النقابة . وتقديرى أن مبعث الصعوبة فى هذه المهمة هو تغيير نمط الإستجابة البليدة السائد لدى مجلس النقابة وجمعيتها العمومية على حد سواء ، واستلهام همة وعطاء آباء النقابة الذين ناضلوا من أجل إنشائها وحمايتها ، والذين عملوا من أجل أن تكون وعاء للتضامن بين أبناء المهنة الواحدة ، وأداة للدفاع عن مصالح الصحفيين وكرامتهم ، ومنارة للحرية والتنوير لسائر أبناء الوطن . فهل تتمكن النقابة من اللحاق بقطار الثورة السريع قبل أن يغادر محطة الصحفيين ؟!

.. وللحديث بقية .

******************

 

 

 

 

التعليقات (0)




بحث